ساسي سالم الحاج

70

نقد الخطاب الاستشراقي

وهو عالم الأرواح وعالم القدرة الإلهية . ومن المؤكد أن بعض هؤلاء النفر يتمتعون بقدرات واستعدادات استثنائية ، فهم يرون ما لا يراه الآخرون ، ويسمعون ما لا يسمعه الآخرون ، وتحدث لهم انفعالات يجهلون مصدرها تجعلهم يتكلمون ويأتون بحركات لا يمكن تفسيرها في إطار التصرفات العادية للأفراد العاديين . ومن الطبيعي أن تفسر هذه الأمور باتصال هؤلاء بالعالم الآخر ، عالم القوى التي لا ترى ولا تسمع والتي تستطيع فعل ما لا تفعله الكائنات القابلة للموت والفناء . ومن بين هذه الشخصيات من تخرج تصرفاته كلية عن نواميس مجتمعه . ومنها من لا تظهر تصرفاته الخاصة والغريبة إلّا نادرا وفي ظروف معينة ، بينما لا تتميز حياته وسلوكه في المجرى العادي للأمور عن أي إنسان آخر في مجتمعه . ومنها من تكون مصادرها العقلية والذهنية فقيرة فلا تكون تصرفاتها الخاصة غنية ، ومنها من تكون شخصيتها قوية معقدة فيكون تفكيرها أصيلا غنيّا « 1 » . ويستشهد « رودنسون » بالجزيرة العربية قبل الإسلام التي وجد بها بعض هذه الشخصيات المميزة ، فالشعراء العرب يعتقدون أن لهم قرناء من الجن يعينونهم على نظم الشعر . كما يوجد بها « الكهان » ، ومفردها « كاهن » وهي تطابق من الناحية الاصطلاحية كلمة « كوهين » العبرية . فللكهان رؤى وقرائن من الأرواح يدعونهم عند الحاجة فيتكلمون بأصواتهم ، ويأتون بخلجات وسجع منظوم ، ويتدثرون بمعاطفهم عند مخاطبتهم لأتباعهم من الجن فيأتي أسلوبهم لاهثا مسجوعا متناغم النبرات . وعادة ما كان العرب يلجئون إليهم ويشاورونهم ويأخذون بنصائحهم في القضايا الخاصة والعامة التي يعرضون لها . ويرى رودنسون أن محمدا يتمتع بخصال تشابه تلك التي لدى الكهان ، ويتعرّض جسديّا ونفسيّا لمثل تصرفاتهم . ولكنه نظرا لتمتعه بشخصية أكثر غنى وقوة من الناحية العقلية من شخصيات « الكهان » فإنه لم يقف عند حدود ومقدرة هؤلاء الكهان بل تعدّاها إلى التفكير والتأمل العقليين اللذين دفعاه إلى التمتع بخصال نادرة عزّ نظيرها ، وقد ساعده على هذا التكوين العقلي مزاجه الفطري وشخصيته العصبية « 2 » . وبعد هذا التحليل النفسي لشخصية الرسول ومقابلتها بحياة وتصرفات الكهان

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 83 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 83 .